صديق الحسيني القنوجي البخاري
69
فتح البيان في مقاصد القرآن
وإن فسره النصارى بالروح القدس فهذا خطأ لأن الروح القدس لم يبق معهم بعد يوم الدار ولا يوجد معهم في زماننا هذا غير روح إبليس شيء فيكون عدولهم عن اتباع أمره هو محافظتهم عليه ، وإلا فإن كان الفارقليطاء عبارة عن الروح القدس الذي نزل على الحواريين يوم الدار لاستطاع أساقفة النصارى وقسوسهم أن يفعلوا الخوارق التي فعل المسيح ، لكنهم لا يستطيعون على شيء من ذلك ، فالفارقليطاء ليس بعبارة عن الروح القدس الذي نزل عليهم يوم الدار ، أما المقدم فلأن الحواريين كانوا يعملون الخوارق التي كان يفعلها المسيح ، وأما التالي فلأنه لم ينقل عنهم لا في الغابر ولا في الحال . وأما قولنا : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، هو المتصف بالمكث إلى الأبد فلأنه لم يأت بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم ، من يدعي النبوة ، ويظهر المعجزة ، فانحصرت فيه حتى يأتي غيره ، ومعنى الدوام هو بقاء ملته على دعائهما الأصلية ، وعدم تحريف كتابه العزيز ، بل وسنته المطهرة ، وعدم اختلال شريعته الحقة الصادقة ، ولا ينقض ذلك باختلاف المذاهب ، لأن هذا الاختلاف مما يتعلق بالفروع ، وفي رومية وأشعياء : ها أنا واضع في صهيون حجرة عثرة ، وصخرة شك ، وكل من يؤمن بها لا يخجل انتهى . وتقييد عدم الخجالة بالإيمان بها فيه دلالة على صحة نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، وأخذه النصارى وأولوه على عادتهم ، واستدلوا به على ربوبية المسيح ، وليس بشيء وصهيون جبل في أورشليم ، وقيل : بل عقبة أسست عليها أورشليم ، والحجرة والصخرة والعثرة والشك من المترادفات . وسياق الكلام في رومية أن بولوس كان يعظ بعيسى ، ويوبخ اليهود على عدم إيمانهم به وهو كلام طويل آخره قوله : وأما إسرائيل فإنه قد طلب شريعة العدل ، ولم يظفر بها ، ولم لم يظفر بها ؟ لأنهم لم يطلبوها بالإيمان ، بل بأعمال الشريعة ، وذلك لأنهم عثروا بحجرة كما حررها آنذا واضع حجرة تمعثر ، وصخرة شك ، وكل من يؤمن بها لا يخجل . يريد بذلك أن بني إسرائيل كانوا يطلبون الهدى فلم يصيبوه ، لأنهم كانوا يطلبونه بمحض الأعمال لا بالإيمان ، وهذا يدل على أن غاية شريعة عيسى لم تكن إلا بالقوة النظرية ، وسبب عدم صلبهم إياه بالإيمان لأنهم عثروا بعيسى لأنهم لم يعرفوه ، واستدل على عدم إيمانهم به بقول أشعياء ، وهذا لا يدل على ربوبيته ، بل ولا على نبوته . وسياقه في أشعياء هو قوله : ألا لا تتكلموا على من تتكلم عليه هذه الأمة ، ولا تخشوا ما يخشونه ، ولا تخافوا ، وقدّسوا رب الجنود وحده ، واخشوه وخافوا منه ، لأنه هو المقدس ، وهو حجرة العثرة ، وصخرة الشك ، وهو لأهل بيت إسرائيل فخ ، ولكنه أورشليم مصيدة ، وسيعثرون ويسقطون وينكسرون ويقيدون ويؤسرون ، فاطووا الشهادة واختموا الصحف التي عند تلاميذي ، وأنا سأنتظر الرب الذي يغطي وجهه عن أهل بيت إسرائيل وأترقبه ، وها أنا والأولاد الذين وهب لي ربي علامة عجيبة في إسرائيل لرب الجنود الذي يسكن في صهيون انتهى .